مع قيام الجمهورية التركية، شهدت إسطنبول تحولاتٍ عديدة في جوانب مختلفة. فبعد الإمبراطورية العثمانية ، التي لم تستطع مواكبة متطلبات العصر، وافتقرت إلى العديد من المزايا التي تمتعت بها دول أخرى واستمرت في تطويرها مع مرور الوقت، مكّنت الهوية الجديدة إسطنبول من تبوّء مكانة فريدة في صفحات التاريخ.
بفضل عملية التحديث التي أولاها مصطفى كمال أتاتورك أهمية بالغة، اكتسبت إسطنبول هوية مميزة كمدينة عصرية وعالمية. ومن الناحية الاقتصادية والثقافية، تُعد إسطنبول القلب النابض لتركيا الحديثة. وبفضل تراثها التاريخي الفريد، لا تزال إسطنبول مدينة ذات أهمية بالغة، ليس فقط لتركيا، بل وللعالم أجمع.
بفضل احتضانها للعديد من المنظمات الدولية السياسية والثقافية والفنية والرياضية، ترتقي إسطنبول بسرعة إلى قمة تصنيفات المدن العالمية. علاوة على ذلك، أعادت إسطنبول، الوجهة الغربية لتركيا، تعريف مكانتها السابقة كعاصمة إمبراطورية، لتصبح مركزاً عالمياً للتجارة والسياحة والأعمال والثقافة.
اسطنبول الجديدة و جمهورية تركيا
لعبت إسطنبول دورًا محوريًا في جهود التغريب؛ فلم تكن مجرد مركز اهتمام لعلاقة البلاد بالغرب، بل كانت أيضًا مركزًا للتطور الفكري والشعبي. وعلى مدى العقدين الماضيين، شكّل التغريب المعيار الأقوى والأكثر تأثيرًا في تحديد المجتمع التركي وخلفيته التاريخية.
مع تأسيس الجمهورية التركية، سعى النبلاء الأتراك المعاصرون إلى تمييز أنفسهم من حيث ثقافتهم وتعليمهم ومهنهم. ولذلك، أدى ذلك تدريجيًا إلى تأثيرهم على الحياة الاجتماعية. فقد اكتسبت ثقافة الموسيقى والرقص والسينما والمسرح والملابس والرياضة والطعام والشراب والترفيه وغيرها هويات جديدة متأثرة بالثقافة الغربية. وتحتل هذه الجوانب مكانة خاصة في إسطنبول، بل وتتفوق عليها رغم أن أنقرة كانت المركز السياسي.
تخطيط اسطنبول خلال الفترة الجمهورية
كانت الساحات، التي استُخدمت لإضفاء هوية جديدة على المدينة، من أهم المعالم المحلية التي منحت المدينة طابعًا عصريًا. ويمكن تتبع تاريخ إنشاء الساحات الجديدة في المدينة إلى السنوات الأولى للجمهورية التركية. ففي عامي 1923 و24، أُنشئت ساحة بيازيد ، التي تضم العديد من المباني التاريخية، كمساحة عامة مفتوحة، مع نافورة وبركة في وسطها. تبع ذلك اختيار ساحة تقسيم لتكون نقطة مركزية ورمزًا للمدينة.
كان هنري بروست، وهو مخطط مدن شهير ، أول من وضع التصميم الأولي للمدينة على مدى 15 عامًا. ومن بين بصماته العديد من الملاعب والشوارع الرئيسية ودور الأوبرا المنتشرة في أرجاء المدينة. وقد شكّل هذا التصميم أول تخطيط حديث للمدينة، ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف عن النمو والتوسع.
تضم إسطنبول ثلاثة جسور تربط أوروبا بآسيا. شُيّد أولها عام ١٩٧٣، واستغرق بناؤه ثلاث سنوات. كان يُعرف سابقًا بجسر بوغازيتشي ، ويُسمى الآن جسر ١٥ يوليوس شهيد. أما الجسران الآخران، جسر السلطان محمد الفاتح وجسر السلطان سليم الأول، فقد بُنيا عامي ١٩٨٨ و٢٠١٦ على التوالي. سُمّي الجسران تيمنًا بسلاطين بارزين في العصر العثماني. كانت هناك مشاريع لجسور أخرى قبل قيام الجمهورية التركية، لكنها لم تُنفّذ خلال فترة الإمبراطورية العثمانية. حتى أن ليوناردو دافنشي كان لديه مشروع لجسر يُبنى فوق القرن الذهبي، ويمتد فوق مضيق البوسفور.
موجة كبيرة من السكان الجدد

مع اتساع رقعة اقتصاد إسطنبول وامتداد نفوذها في أرجاء الجمهورية التركية، بدأ سكان المناطق الريفية في الأناضول بالهجرة إليها . كانت موجة هجرة هائلة لا تنتهي، جلبت معها حركات اقتصادية وأزمة في المناطق السكنية، إذ لم يكن عدد الشقق كافياً لتلبية احتياجات الوافدين الجدد. وبدأ بناء ضخم يواكب هذا التدفق السكاني. تضاعفت مساحة المدينة، بل وتضاعفت ثلاث مرات، وامتدت على طول الساحل في القارتين. والجدير بالذكر أن هذا التوسع لا يزال مستمراً، وأن إسطنبول اليوم أكبر بعشر مرات مما كانت عليه.
الآن موطن الملايين
يبلغ عدد سكان إسطنبول اليوم ستة عشر مليون نسمة ، وهي بلا شك قلب الجمهورية التركية النابض. ويأتي إليها ملايين آخرون لأغراض تجارية أو سياحية. صحيح أنها مدينة صاخبة تعجّ بالحركة، ولكن بالنظر إلى تاريخها العريق بكل ما فيه من مجد، نعتقد أن ازدحام إسطنبول أمر طبيعي. فهي موطن لثقافات وأديان وأقليات متنوعة، ومكان تتناغم فيه الفنون والتاريخ والثقافة والموسيقى والناس. لا تزال إسطنبول تحتفظ بإرثها التاريخي، الذي حافظت عليه منذ تأسيس الجمهورية التركية.